الوطن ميديا : الداخل
لم يعد الصيد البحري في المغرب مجرد قطاع اقتصادي تقاس أهميته بحجم الإنتاج وقيمة الصادرات، بل أصبح، مع التشكيلة الحكومية الجديدة التي جرى تعيينها يوم 16 أكتوبر 2026، جزءا من نقاش أوسع حول السيادة الغذائية، وحماية الموارد الوطنية، وضمان استفادة المواطنين من الثروات التي تزخر بها البلاد.
ويحمل إدراج مفهوم السيادة الغذائية ضمن التسمية الرسمية لوزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية دلالات تتجاوز الجانب المؤسساتي، إذ يعيد طرح مسألة تدبير الثروة السمكية باعتبارها قضية ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، فضلا عن مسؤولية الحفاظ على الموارد البحرية للأجيال المقبلة.
فالمغرب يتوفر على مؤهلات بحرية مهمة، تجعل الصيد البحري أحد القطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني، سواء من حيث توفير فرص الشغل أو تنشيط الصناعات المرتبطة بالتحويل والتجميد والتسويق، أو من خلال مساهمته في الصادرات. غير أن حجم هذه المؤهلات يفرض، في المقابل، طرح أسئلة حول كيفية تدبيرها، ومدى انعكاس عائداتها على الاقتصاد المحلي والقدرة الشرائية للمواطنين.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل الحاجة إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الأسواق الخارجية واحتياجات السوق الوطنية، بما يضمن استمرار النشاط التصديري دون إغفال حق المستهلك المغربي في الاستفادة من المنتجات البحرية بأسعار معقولة. فالثروة السمكية لا تكتسب قيمتها فقط من حجم ما توفره من مداخيل مالية، بل أيضا من قدرتها على المساهمة في الأمن الغذائي وتحسين الظروف الاجتماعية للفئات المرتبطة بها.
ومن هذا المنطلق، يصبح الحفاظ على المخزون السمكي ضرورة استراتيجية، وليس مجرد إجراء تقني مرتبط بتنظيم مواسم الصيد. فالاستغلال غير المستدام للموارد، إن ثبت في حالات معينة، قد تكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل الأنشطة المهنية، واستقرار الاستثمارات، ومصادر عيش البحارة والعاملين في مختلف مراحل الإنتاج والتسويق. لذلك تبرز أهمية القرارات المبنية على المعطيات العلمية، والمراقبة المنتظمة للمصطادات، ومحاربة الصيد غير القانوني، وضمان احترام القواعد المنظمة لاستغلال الثروات البحرية.
وتحتل جهة الداخلة وادي الذهب موقعا بارزا في هذا النقاش، بالنظر إلى المكانة التي يحظى بها الصيد البحري داخل نسيجها الاقتصادي والاجتماعي. فالقطاع يرتبط بالاستثمار والتشغيل والصناعات التحويلية والتجارة والخدمات، ما يجعل أي تحول في أساليب تدبيره مؤثرا في مستقبل المنطقة وفرص التنمية المتاحة أمام ساكنتها ومهنييها.
وفي هذا السياق، لا يكفي تقييم أداء القطاع بالاستناد إلى حجم المفرغات أو أرقام الصادرات وحدها، بل تبرز الحاجة إلى معرفة مدى استفادة الاقتصاد المحلي من القيمة المضافة، وحجم فرص الشغل المستدامة التي يوفرها النشاط البحري، ومدى تكافؤ الفرص بين الفاعلين، وفعالية آليات المراقبة والتتبع.
كما أن المرحلة الجديدة تتيح فرصة لإعادة تقييم السياسات المعتمدة خلال السنوات الماضية، والوقوف على نتائج القرارات المتعلقة بتدبير الحصص والتراخيص واستغلال الموارد البحرية، مع إتاحة المعطيات اللازمة أمام المؤسسات الرقابية والباحثين والمهنيين ووسائل الإعلام. فالتقييم الموضوعي لا يعني إصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات دون أدلة، وإنما يقتضي الاستناد إلى الوثائق والأرقام، وتحديد المسؤوليات عند ثبوت أي إخلال، وترتيب الآثار القانونية وفق المساطر المعمول بها.
إن تغيير التسمية الحكومية لا يعني أن مسؤولية حماية الثروة البحرية بدأت اليوم، فهذه المسؤولية قائمة بحكم طبيعة الموارد وأهميتها الوطنية. لكنه يضع السيادة الغذائية في صلب النقاش المؤسساتي، ويفتح المجال أمام مساءلة السياسات العمومية على أساس مدى قدرتها على حماية المخزون السمكي، وضمان استدامة الإنتاج، وتحسين مردودية القطاع، وتوسيع استفادة المواطنين من عائداته.
وتبقى الحكامة والشفافية من الشروط الأساسية لتحقيق هذه الأهداف، خصوصا فيما يتعلق بتدبير التراخيص والحصص، ومراقبة مسارات المنتجات البحرية، ومحاربة الممارسات المخالفة للقانون، وتعزيز التصنيع المحلي والتثمين، بما يسمح بتحقيق قيمة مضافة أكبر داخل الاقتصاد الوطني. كما أن دعم البحث العلمي وتطوير تقنيات الصيد المستدام وتحسين ظروف اشتغال البحارة تشكل عناصر لا غنى عنها لبناء قطاع قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية.
وبذلك، فإن الرهان المطروح أمام الوزارة في صيغتها الجديدة لا يقتصر على اعتماد مفهوم السيادة الغذائية في عنوانها الرسمي، بل يتمثل في تحويله إلى نتائج ملموسة، تنعكس على حماية الموارد البحرية، واستقرار الأنشطة المهنية، وتطوير الاستثمار المنتج، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
فالثروة البحرية ليست ملكا لمرحلة حكومية بعينها، ولا ينبغي أن تظل قيمتها محصورة في الأرقام التجارية ومؤشرات التصدير؛ إنها رصيد وطني يتطلب تدبيرا مسؤولا ورؤية بعيدة المدى، تضمن استمراره وتحفظ حقوق الأجيال المقبلة.
ويبقى السؤال الذي تطرحه المرحلة الجديدة: هل ستترجم السيادة الغذائية إلى مراجعة فعلية لطرق تدبير الثروة البحرية، وتعزيز الشفافية والمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تصبح حماية الموارد الوطنية ممارسة ملموسة لا مجرد عنوان مؤسساتي؟

تعليقات الزوار ( 0 )