الوطن ميديا: عبد المجيد الخياطي
في لحظةٍ مسرحية فارقة، اهتزت جنبات قاعة العروض بدار الثقافة الشيخ سيدي أحمد الرݣيبي بمدينة السمارة على وقع عرض لم يكن مجرد فرجة، بل كان سؤالا وجوديا معلقا في فضاء الرّكح، سؤالا عن الإنسان، وعن الحب، وعن الزواج حين يتحول من ميثاق مقدس إلى هاجس مؤجل في زمن تتكسر فيه القيم على صخرة التحولات.

هناك، حيث تتقاطع الذاكرة مع الحاضر، قدمت جمعية الحبشي للفنون السبعة، عبر فرقة الحبشي للمسرح الحساني، عملها الجديد “مسعود فدهر العود”، في إطار برنامج توطين فرقة الحبشي للمسرح الحساني برسم الموسم الثقافي 2026، بدعم من وزارة الثقافة والشباب والرياضة، لتعلن أن المسرح الحساني لم يعد مجرد تراث يحفظ، بل خطاب حي يفكر ويسائل ويقاوم.

العمل، الذي صاغ نصه باقتدار المؤلف عمر ميارة، وأخرجه برؤية جمالية مشحونة بالدلالة المخرج أيوب أبو النصر، بمساعدة سفيان نعيم، لم يختر الطريق السهل. بل غاص في عمق الحكاية الشعبية الحسانية، واستخرج منها بطلا منسيا، “مسعود”، وجعله رمزا لجيل كامل يقف على عتبة الزواج، ممزقا بين نداء القلب وثقل الواقع، بين وصايا الأجداد وإكراهات العصر، بين “دهر العود” الذي كان فيه الزواج قدرا جماعيا، و”دهر اليوم” الذي صار فيه اختيارا فرديا مثقلا بالخوف والتردد والحساب.

إن المسرحية، في جوهرها العميق، ليست حكاية رجل واحد، بل هي تشريح درامي لظاهرة العزوف عن الزواج، باعتبارها ليست مجرد قرار شخصي، بل عرضا لمرض اجتماعي مركب، تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والنفسية والثقافية، وتتوارى خلفه أسئلة كبرى عن معنى الأسرة، وعن هشاشة العلاقات الإنسانية في زمن السرعة والعزلة والفردانية.
وقد نجح العرض في أن يحول هذا السؤال الثقيل إلى متعة بصرية وفكرية، من خلال توظيف ذكيٍ لتقنية الإسقاط الضوئي “المابينغ”، التي لم تكن زخرفة تقنية عابرة، بل كانت شريكا دراميا حقيقيا في بناء المعنى، حيث تحولت الجدران إلى ذاكرة، والضوء إلى شعور، والفضاء الركحي إلى عالم متحرك يتنفس مع الممثلين، ويضفي على الحكاية الشعبية بعدا سينمائيا معاصرا، دون أن يفقدها روحها التراثية الأصيلة.
أما الأداء، فقد كان ملحمة في حد ذاته. ثلة من الأسماء الفنية البارزة في المسرح الحساني، تقمصت أدوارها بصدق يلامس الوجدان، فلم يكن الممثلون يؤدون شخصيات، بل كانوا يعيشونها، يبكون معها، ويضحكون معها، ويجعلون الجمهور شريكا في الحيرة والدهشة والاعتراف. وإلى جانبهم، طاقم تقني متخصص، أدار بإتقان مفاصل العرض، ليخرج العمل في صورة فنية متكاملة، تليق بمقام المسرح كفنٍ رفيع.
إن “مسعود فدهر العود” ليس مجرد إنتاج مسرحي جديد، بل هو بيان جمالي وفكري، تؤكد من خلاله جمعية الحبشي للفنون السبعة أن مشروعها يتجاوز حدود العرض، إلى بناء تجربة مسرحية حسانية متجددة، تنفتح على الأساليب التعبيرية الحديثة والتقنيات الجديدة، دون أن تقطع حبلها السري مع الموروث الثقافي المحلي، ودون أن تتنازل عن دور المسرح كفضاء للإبداع، ومنبر للمساءلة، ومرآة صادقة لقضايا المجتمع.
في السمارة، تلك المدينة التي تحرس الذاكرة الصحراوية، لم يكن الجمهور يتفرج على مسرحية، بل كان يتفرج على نفسه، على مخاوفه، على أحلامه المؤجلة، وعلى سؤال ظل يتردد بعد إسدال الستار: هل نحن من نرفض الزواج، أم أن الزمن هو الذي رفضنا؟

تعليقات الزوار ( 0 )